فصل: أنطرطوس

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: آثار البلاد وأخبار العباد **


 أنطرطوس

حصن على بحر الروم لأهل حمص وهو ثغر به مصحف عثمان بن عفان يذهب الناس إليه تبركاً به‏.‏

 أورم الجوز

قرية من نواحي حلب بها بنية كأنها كانت في القديم معبداً يرى المجاورون لها من أهل القرى بالليل منها ضوء نار ساطعاً فإذا جاؤوها لم يروا شيئاً البتة وفي هذه البنية ثلاثة ألواح من حجارة عليها مكتوب بلفظ القديم ما استخرج وفسر وكان ما على اللوح القبلي الاله واحد كملت هذه البنية في تاريخ ثلاثمائة وعشرين لظهور المسيح عليه السلام وعلى اللوح الذي على وجه الباب‏:‏ سلام على من كمل هذه البنية‏.‏

واللوح الشمالي‏:‏ هذا الضوء المشرق الموهوب من الله لنا في أيام البربرة في الدور الغالب المتجدد في أيام الملك اناوس الحرين المنقولين وقلاسس وحنا وقاسوس وبلانيا في شهر أيلول في الثاني عشر من التاريخ المتقدم والسلام على شعوب الأهواز ناحية بين البصرة وفارس ويقال لها خوزستان بها عمارات ومياه وأودية كثيرة وأنواع الثمار والسكر والرز الكثير لكنها في صيفها لا يفارق الجحيم‏.‏

ومن محنها شدة الحر وكثرة الهوام الطيارة والحشرات القتالة قالوا‏:‏ ذبابها كالزنبور وطنينها كصوت الطنبور لا ترى بها شيئاً من العلوم والآداب ولا من الصناعات الشريفة‏.‏

وأهلها ألأم الناس‏.‏

لا ترى بها وجنة حمراء‏.‏

وهواؤها قتال خصوصاً للغرباء لا تنقطع حماها ولا ينكشف وباؤها البتة وأهلها في عذاب اليم‏.‏

وحكى مشايخ الأهواز انهم سمعوا القوابل ان المولود ربما يولد فنجده محموماً تلك الساعة‏.‏

ومن تمام محنهم أن مأكول أهلها الرز وهم يخبزونه كل يوم لأنه لا يطيب إلا مسخناً فيسجر كل يوم في ذلك الحر الشديد خمسون ألف تنور فيجتمع حر الهواء وحر النيران ودخانها والبخار المتصاعد من سباخها ومناقعها ومسايل كنفها ومياه أمطارها فإذا طلعت الشمس ارتفعت بخاراتها واختلطت بهوائها الذي وصفناه فيفسد الهواء أي فساد ويفسد بفساده كل ما اشتمل عليه‏.‏وتكثر الأفاعي في أراضيها والجرارات من العقارب التي لا ترفع ذنبها كسائر العقارب بل تجره‏.‏

ولو كان في العالم شيء شراً من الأفاعي والجرارات لما قصرت قصبة الاهواز عن توليده وإذا حمل إلى الاهواز الطيب تذهب رائحته ولا يبقى منتفعاً به‏.‏

ينسب إليها أبو الحسن الاهوازي المنشيء صاحب الكلام المرصع له رسالة حسنة في ذلك الأسلوب وهو متفرد به‏.‏

 أيلة

مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام كانت مدينة جليلة في زمن داود عليه السلام والآن يجتمع بها حجيج الشام ومصر من جاء بطريق البحر وهي القرية التي ذكرها الله تعالى حاضرة البحر‏.‏

كان أهلها يهوداً حرم الله تعالى عليهم يوم السبت صيد السمك وكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سماناً كأنها الماخض حتى لا يرى وجه الماء لكثرتها ويوم لا يسبتون لا تأتيهم‏.‏

فكانوا على ذلك برهة من الدهر ثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال‏:‏ إنما نهيتم عن صيدها يوم السبت فاتخذوا حياضاً حول البحر وسوقوا إليها الحيتان يوم السبت فتبقى فيها محصورة واصطادوا يوم الأحد وفي غير يوم السبت لا يأتيهم حوت واحد ففعلوا ما أمرهم الشيطان خائفين‏.‏

فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم أخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا‏.‏

وكان أهل القرية نحواً من سبعين ألفاً فصاروا أثلاثاً‏:‏ ثلث ينهون القوم عن الذنب وثلث قالوا‏:‏ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم وثلث يباشرون الخطيئة‏.‏

فلما تنبهوا قال الناهون‏:‏ نحن لا نساكنكم‏.‏

فقسموا القرية للناهين باب وللمتعدين باب ولعنهم داود عليه السلام‏.‏

فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم لم يروا من المتعدين أحداً فقالوا‏:‏ إن للقوم شأناً لعل الخمر غلبتهم‏!‏ فعلوا الجدار ونظروا فإذا هم قردة فدخلوا عليهم والقردة تعرف أنسابها والأنساب لا يعرفونها‏.‏

فجعلت القردة تأتي نسيبها من الانس فتشم ثيابه وتذرف دمعة فيقول نسيبها‏:‏ ألم أنهك عن السوء فتشير القردة برأسها يعني نعم‏.‏

ثم ماتت بعد ثلاثة أيام‏.‏

 باميان

ناحية بين خراسان وأرض الغور ذات مدن وقرى وجبال وأنهار كثيرة من بلاد غزنة‏.‏

بها بيت ذاهب في الهواء وأساطين نقش عليها صور الطير وفيه صنمان عظيمان من الحجر‏:‏ يسمى أحدهما سرج بت والآخر خنك بت وما عرف خاصية البيت ولا خاصية الصنم‏.‏قال صاحب تحفة الغرائب‏:‏ بأرض باميان ضيعة غير مسكونة من نام فيها يزبنه أخذ برجله فإذا انتبه لا يرى أحداً فإن نام يفعل به ذلك مرة أخرى حتى يخرج منها‏.‏

بها معادن الزئبق ذكره يعقوب البغدادي‏.‏

قال في تحفة الغرائب‏:‏ بأرض باميان عين ينبع منها ماء كثير ولها صوت وغلبة ويشم من ذلك الماء رائحة الكبريت من اغتسل به يزول جربه وإذا رفع من ذلك الماء شيء في ظرف وشد رأسه شداً وثيقاً وترك يوماً يبقى الماء في الظرف خاثراً مثل الخمير وإذا عرضت عليه شعلة النار يشتعل‏.‏

ينسب إليها الحكيم أفضل البامياني‏.‏

كان حكيماً فاضلاً عارفاً أنواع الحكمة‏.‏

طلبه صاحب فارس أتابك سعد بن زنكي وأكرمه وأحسن إليه وقال له‏:‏ أريد أن تحكم على مولودي‏.‏

فقال أفضل‏:‏ الأحكام النجومية لا يوثق بها قد تصيب وتخطيء لكني أفعل ذلك لسنة أو سنتين من الماضي فإن وافق عملت للمستقبل‏.‏

فلما فعل ذلك قال الملك‏:‏ ما أخطأت شيئاً منها‏!‏ وكان عنده حتى مات‏.‏

بداً قرية بتهامة على ساحل البحر مما يلي الشام وهي قرية يعقوب النبي عليه السلام كان بها مسكنه في أيام فراق يوسف عليه السلام ويقال لهذه القرية بيت الأحزان لأن يعقوب كان بها حزيناً مدة طويلة ومنها سار إلى مصر إلى يوسف عليه السلام‏.‏

فجاءت الفرنج في زمن الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب وقد عمروها وجعلوا لها حصناً حصيناً قال بعض الشعراء‏:‏ هلاك فرنجٍ أتى عاجلاً وقد آن تكسير صلبانها ولو لم يكن حينها قد أنى لما عمرت بيت أحزانها وكان الأمر كما قال الشاعر‏.‏

قصدها الملك صلاح الدين وفتحها وخربها وكسر صلبانها‏.‏

براق قرية من قرى حلب‏.‏

حدث غير واحد من أهل حلب أن بها معبداً يقصده المرضى والزمنى يبيتون فيه فيرى المريض من يقول له‏:‏ شفاؤك كذا وكذا‏!‏ وربما يرى شخصاً يمسحه بيده فتزول منه الآفة‏.‏

وهذا شيء مستفاض في أهل حلب‏.‏

البشمور كورة بمصر بها قرى وريف وغياض بها كباش ليس في جميع البلاد مثلها عظماً وحسناً وكبر ألايا حتى لا يستطيع حملها فيتخذ لآليته عجلة تحمل عليها أليته وتشد العجلة بحبل إلى عنقه فيظل يرعى ويجر العجلة التي عليها أليته فإذا نزعت العجلة سقطت الالية على الأرض وربض الكبشة ولم يمكنه القيام ولا يوجد مثل هذا الصنف في شيء من البلاد‏.‏

بعلبك مدينة مشهورة بقرب دمشق وهي قديمة كثيرة الأشجار والمياه والخيرات والثمرات ينقل منها الميرة إلى جميع بلاد الشام‏.‏

وبها أبنية وآثار عجيبة وقصور على أساطين الرخام لا نظير لها‏.‏

قيل‏:‏ انها كانت مهر بلقيس‏!‏ وبها قصر سليمان بن داود عليه السلام وقلعتها مقام الخليل عليه السلام وبها دير الياس النبي عليه السلام‏.‏

قالوا‏:‏ إن ذلك الموضع يسمى بك في قديم الزمان حتى عبد بنو إسرائيل بها صنماً اسمه بعل فاضافوا الصنم إلى ذلك الموضع ثم صار المجموع اسماً للمدينة وأهلها على عبادة هذا الصنم فبعث الله إليهم الياس النبي عليه السلام فكذبوه فحبس عنهم القطر ثلاث سنين‏.‏

فقال لهم نبي الله‏:‏ استسقوا أصنامكم فإن سقيتم فأنتم على الحق وإلا فإني أدعو الله تعالى ليسقيكم فإن سقيتم فآمنوا بالله وحده‏!‏ فأخرجوا أصنامهم واستسقوا وتضرعوا فما أفادهم شيئاً فرجعوا إلى نبي الله فخرج ودعا فظهر من جانب البحر سحابة شبه ترس وأقبلت إليهم‏.‏

فلما دنا منهم طبق الآفاق وأغاثهم غيثاً مريعاً أخصب البلاد وأحيا العباد فما ازدادوا إلا شركاً فسأل الله تعالى أن يريحه منهم فأوحى الله تعالى إليه‏:‏ ان اخرج إلى مكان كذا‏.‏

فخرج ومعه اليسع فرأى فرساً من نار فوثب عليه وسار الفرس به ولم يعرف بعد ذلك خبره‏.‏

بلقاء كورة بين الشام ووادي القرى بها قرية الجبارين ومدينة الشراة‏.‏

وبها الكهف والرقيم فيما زعم بعضهم‏.‏

وحديث الرقيم ما روى عبد الله بن عمر أنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوا فانحدرت صخرة من الجبل وسدت عليهم الغار فقالوا‏:‏ لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم‏!‏ قال رجل منهم‏:‏ اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا ولداً فباتا في ظل شجر يوماً فلم أبرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً ولا ولداً فلبثت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر والصبية يتضاغون فاستيقظا وشربا غبوقهما‏!‏ اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة‏!‏ فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه‏.‏

وقال الآخر‏:‏ اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت من أحب الناس إلي فراودتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بنا سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين ديناراً على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت‏:‏ لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه‏!‏ فتخرجت من الوقوع عليها وانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها‏.‏

اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه‏!‏ فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها‏.‏

وقال الثالث‏:‏ اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجراً فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فنمت أجرته حتى كثرت منه الأموال‏.‏

فجاءني بعد حين وقال‏:‏ يا عبد الله هات أجرتي‏!‏ فقلت له‏:‏ كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرتك‏!‏ فقال‏:‏ يا عبد الله لا تستهزيء بي‏!‏ فقلت‏:‏ لا أستهزيء‏!‏ فاستاق كله ولم يترك منه شيئاً‏.‏

اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه‏!‏ فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون‏.‏مدينة بصعيد مصر على شاطيء النيل‏.‏

قالوا‏:‏ إن بها طلسماً لا يمر بها تمساح إلا ينقلب على ظهره‏.‏

والتمساح إذا انقلب على ظهره لا يقدر على الانقلاب إلى بطنه فيبقى كذلك حتى يموت أو يصطاد‏.‏

 بلرم

مدينة بجزيرة صقلية في بحر المغرب قال ابن حوقل الموصلي‏:‏ بها هيكل عظيم سمعت أن أرسطاطاليس فيه في شيء من الخشب معلق والنصارى تعظم قبره وتستسقي به لاعتقاد اليونانيين به قال‏:‏ ورأيت فيها من المساجد أكثر ما رأيت في شيء من البلاد حتى رأيت على مقدار غلوة هم أكثر من عشرة مساجد ورأيت بعضها تجاه بعض‏.‏

فسألت عن ذلك فقالوا‏:‏ القوم لانتفاخ أدمغتهم لا يرضى أحدهم أن يصلي في مسجد غيره ويكون له مسجد لا يصلي فيه غيره‏.‏

 بنارق

قرية بين بغداد والنعمانية مقابل دير قنى على دجلة والآن خراب ذكر أبو بكر النحوي البنارقي أن عساكر السلجوقية كثرت بطرقهم على قريتنا والقرية لا سور لها كلما جاؤوا دخلوا وثقلوا علينا فأجمعنا على مفارقتها والعسكر قريب منا وتهيأنا لذلك إلى الليل لنعبر دجلة ونلتحق بدير قنى فإنها كانت ذات سور فاستصحبنا من أمتعتنا ما خف على الأكتاف ولدواب فإذا نيران عظيمة ملأت البرية فظنناها نار العسكر وندمنا على الخروج وقلنا الآن يأخذون جميع ما معنا‏!‏ ونحن في هذا الحديث والنيران قد دهمتنا فإذا هي سائرة بنفسها ولا حامل لها وسمعنا من خلالها أصواتاً حزينة كالنياحة يقول بعضهم‏:‏ فلا ثقبهم ينسدّ ولا ماؤهم يجري وخلّوا منازلهم وساروا مع الفجر فعلمنا أنهم الجن وكان الأمر كما قالوا فإن الأنهار فسدت وما يفرغ الملوك لإصلاحها وبقيت القرى إلى الآن خراباً وذلك في سنة خمس وأربعين وخمسمائة‏.‏

 بنزرت

مدينة بافريقية على ساحل البحر يشقها نهر كبير كثير السمك لها قلاع حصينة يأوي إليها أهل النواحي إذا خرج الروم غزاة وبها رباطات للصالحين وانفردت بنزرت ببحيرة تخرج من البحر الكبير إلى مستقر تجاهها يخرج منها في كل شهر صنف من السمك لا يشبه الصنف الذي كان في الشهر الماضي إلى تمام السنة ثم يعود الدور إلى الأول والسلطان مضنه باثني بيت لحم قرية على فرسخين من بيت المقدس كان بها مولد عيسى عليه السلام‏.‏

وبها كنيسة فيها قطعة من النخل زعموا أنها النخلة التي أكلت منها مريم لما قيل لها‏:‏ وهزي إليك بجذع النخلة‏.‏

بها الماء الذي يقال له المعبودية وهو ماء ينبدي من حجر وإنه عظيم القدر عند النصارى‏.‏

بيت المقدس هي المدينة المشهورة التي كانت محل الأنبياء وقبلة الشرايط ومهبط الوحي‏.‏

بناها داود وفرغ منها سليمان عليه السلام وعن أبي بن كعب‏:‏ ان الله تعالى أوحى إلى داود‏:‏ ابن لي بيتاً‏.‏

فقال‏:‏ يا رب أين قال‏:‏ حيث ترى الملك شاهراً سيفه‏!‏ فرأى داود ملكاً على الصخرة بيده سيف فبنى هناك ولما فرغ سليمان من بنائها أوحى الله تعالى إليه‏:‏ سلني أعطك‏!‏ فقال‏:‏ يا رب أسألك أن تغفر لي ذنبي‏!‏ فقال‏:‏ لك ذلك‏!‏ قال‏:‏ وأسألك أن تغفر لمن جاء هذا البيت يريد الصلاة فيه وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولد‏!‏ فقال‏:‏ لك ذلك‏!‏ قال‏:‏ وأسألك لمن جاءه فقيراً أن تغنيه‏!‏ قال‏:‏ ولك ذلك‏!‏ قال‏:‏ وأسألك إن جاءه سقيماً أن تشفيه‏!‏ قال‏:‏ ولك ذلك‏.‏وعن ابن عباس‏:‏ البيت المقدس بنته الأنبياء وسكنته الأنبياء وما فيه موضع شبر إلا وصلى فيه نبي أو قام فيه ملك‏.‏

واتخذ سليمان فيها أشياء عجيبة‏:‏ منها قبة وهي قبة كانت فيها سلسلة معلقة ينالها المحق ولا ينالها المبطل حتى اضمحلت بالحيلة المعروفة ومنها أنه بنى فيها بيتاً وأحكمه وصقله فإذا دخله الورع والفاجر كان خيال الورع في الحائط أبيض وخيال الفاجر أسود‏.‏

ومنها أنه نصب في زاوية عصا آبنوس من زعم صادقاً أنه من أولاد الأنبياء ومسها لم يضره وإن لم يكن من أولاد الأنبياء إذا مسها احترقت يده‏.‏

ثم ضرب الدهر ضربانه واستولت عليها الجبابرة وخربوها فاجتاز بها عزير عليه السلام فرآها خاوية على عروشها فقال‏:‏ أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه وقد عمرها ملك من ملوك الفرس اسمه كوشك فصارت أعمر مما كانت وأكثر أهلاً والتي عليها الآن أرضها وضياعها جبال شاهقة وليس بقربها أرض وطئة وزروعها على أطراف الجبال بالفؤوس لأن الدواب لا عمل لها هناك‏.‏

وأما نفس المدينة ففي فضاء في وسط ذلك وأرضها كلها حجر وفيها عمارات كثيرة حسنة وشرب أهلها من ماء المطر‏.‏

ليس فيها دار إلا وفيها صهريج‏.‏

مياهها تجتمع من الدروب ودروبها حجرية ليست كثيرة الدنس لكن مياهها رديئة‏.‏

وفيها ثلاث برك‏:‏ بركة بني إسرائيل وبركة سليمان وبركة عياض‏.‏

قال محمد بن أحمد البشاري المقدسي وله كتاب في أخبار بلدان الإسلام‏:‏ إنها متوسطة الحر والبرد وقلما يقع بها ثلج ولا ترى أحسن من بنيانها ولا أنظف ولا أنزه من مساجدها‏!‏ قد جمع الله فيها فواكه الغور والسهل والجبل والأشياء المتضادة‏:‏ كالأترج واللوز والرطب والجوز والتين والموز إلا أن بها عيوباً منها ما ذكر في التوراة‏:‏ انها طست ذهب مملوء عقارب ثم لا يرى أقذر من حماماتها ولا أثقل مونة منها‏!‏ وهي مع ذلك قليلة العلماء كثيرة النصارى وفيهم جفاء على الرحبة والفنادق والضرائب ثقال على ما يباع فيها وليس لمظلوم ناصر وليس بها أمكن من الماء والأذان‏.‏

بها المسجد الأقصى الذي شرفه الله تعالى وعظمه وقال‏:‏ إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد‏:‏ المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا‏.‏

وهو في طرف الشرق من المدينة أساسه من عمل داود عليه السلام‏.‏

طول كل حجر عشرة أذرع وفي قبلته حجر أبيض عليه مكتوب‏:‏ محمد رسول الله خلقة لم يكتبه أحد‏.‏

وصحن المسجد طويل عريض طوله أكثر من عرضه وهو في غاية الحسن والإحكام مبني على أعمدة الرخام الملونة والفسيفساء الذي ليس في شيء من البلاد أحسن منه‏.‏

وفي صحن المسجد مصطبة كبيرة في ارتفاع خمسة أذرع يصعد إليه من عدة مواضع بالدرج وفي وسط هذه المصطبة قبة عظيمة مثمنة على أعمدة رخام مسقفة برصاص منمقة من داخل وخارج بالفسيفساء مطبقة بالرخام الملون‏.‏

وفي وسطها الصخرة التي تزار وعلى طرفها أثر قدم النبي عليه السلام وتحتها مغارة ينزل إليها بعدة درج يصلى فيها‏.‏

ولهذه القبة أربعة أبواب وفي شرقيها خارج القبة قبة أخرى على أعمدة حسنة يقولون‏:‏ انها قبة السلسلة‏.‏

وقبة المعراج أيضاً على المصطبة وكذلك قبة النبي عليه السلام‏.‏

كل ذلك على أعمدة مطبقة أعلاها بالرصاص وذكر أن طول قبة الصخرة كان اثني عشر ميلاً في السماء وكان على رأسها ياقوتة حمراء كان في ضوئها تغزل نساء أهل بلقاء‏.‏

وبها مربط البراق الذي ركبه النبي عليه السلام تحت ركن المسجد‏.‏

وبها محراب مريم عليها السلام الذي كانت الملائكة تأتيها فيه بفاكهة الشتاء في الصيف وبفاكهة الصيف في الشتاء‏.‏

وبها محراب زكرياء عليه السلام الذي بشرته الملائكة بيحيى‏.‏

عليه السلام وهو قائم يصلي وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فصكه فرجع إلى ربه وقال‏:‏ أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت‏!‏ فقال‏:‏ ارجع إليه وقل له حتى يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعر سنة‏.‏

قال‏:‏ أي رب‏!‏ ثم ماذا قال‏:‏ ثم الموت‏!‏ فسأل الله تعالى أن يقبره من الأرض المقدسة رمية حجر فلو كنت ثمة لأريتكم قبره إلى جنب الطريق تحت الكثيب الأحمر‏.‏

أما المسجد فطوله سبعمائة ذراع وأربعة وثمانون ذراعاً وعرضه أربعمائة وخمسة وخمسون ذراعاً وعدة ما فيه من العمد ستمائة وأربعة وثمانون وداخل الصخرة ثلاثون عموداً وقبة الصخرة ملبسة بصفائح الرصاص عليها ثلاثة آلاف صفيحة واثنتان وتسعون ومن فوق ذلك الصفائح النحاس مطلية بالذهب وفي سقوف المسجد أربعة آلاف خشبة وعلى السقوف خمسة وأربعون ألف صفيحة رصاص‏.‏

حجر الصخرة ثلاثة وثلاثون ذراعاً في سبعة وعشرين والمغارة التي تحت الصخرة تسع تسعاً وستين نفساً‏.‏

ويسرج في المسجد ألف وخمسمائة قنديل ويسرج في الصخرة أربعمائة وأربعة وستون قنديلاً‏.‏

وكانت وظيفته كل شهر مائة قسط زيتاً وفي كل سنة ثمانمائة ألف ذراع حصيراً وكان له من الخدم مائتان وثلاثون مملوكاً أقامهم عبد الملك بن مروان من خمس وبها قمامة وهي كنيسة عظيمة للنصارى في وسط البلد لا ينضبط صفتها حسناً وعمارة وتنميقاً وكثرة مال‏.‏

في موضع منها قنديل يزعمون أن نوراً من السماء ينزل في يوم معلوم ويشعله وهذا أمر مشهور عندهم‏.‏

حكي أن بعض أصحاب السلطان ذهب إليها ذلك اليوم وقال‏:‏ إني أريد أن أشاهد نزول هذا النور فقال له القس‏:‏ إن مثل هذه الأمور لا تخفى على أمثالك‏!‏ لا تبطل ناموسنا فإنا نشبه على أصحابنا لتمشية أمرنا فتجاوز عنه‏!‏ وبها عين سلوان يتبرك بها الناس قال ابن البشار‏:‏ سلوان محلة في ربض بيت المقدس تحتها عين غزيرة تسقي جناناً كثيرة وقفها عثمان بن عفان على ضعفاء بيت المقدس‏.‏

قالوا‏:‏ إن ماءها يفيد السلو إذا شربه الحزين ولهذا قال رؤبة‏:‏ لو أشرب السلوان ما سلوت‏.‏

بلاد بربر بلاد واسعة من برقة إلى آخر بلاد المغرب والبحر المحيط‏.‏

سكانها أمة عظيمة يقال إنهم من بقية قوم جالوت لما قتل هرب قومه إلى المغرب فحصلوا في جبالها وهم أحفى خلق الله وأكثرهم بطشاً وأسرعهم إلى الفتنة وأطوعهم لداعية الضلالة‏!‏ ولهم أحوال عجيبة واصطلاحات غريبة سول لهم الشيطان الغوايات وزين لهم أنواع الضلالات‏.‏عن أنس بن مالك قال‏:‏ جئت إلى رسول الله عليه السلام ومعي وصيف فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا أنس ما جنس هذا الغلام قلت‏:‏ بربري يا رسول الله‏!‏ فقال‏:‏ بعه ولو بدينار ‏!‏ قلت‏:‏ ولم يا رسول الله قال‏:‏ إنهم أمة بعث الله إليهم رسولاً فذبحوه وطبخوه وأكلوا لحمه وبعثوا مرقه إلى نسائهم‏!‏ قال الله تعالى‏:‏ لا اتخذت منكم نبياً ولا بعثت إليكم رسولاً‏.‏

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ولأن أتصدق بعلاقة سوطي في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق رقبة بربرية‏!‏ ولكثرة ما تخالف حالاتهم وعاداتهم سائر الناس قال بعض المغاربة‏:‏ رأيت آدم في نومي فقلت له‏:‏ أبا البريّة إنّ النّاس قد حكموا أنّ البرابر نسلٌ منك قال‏:‏ أنا‏!‏ حوّاءٌ طالقةٌ إن صحّ ما زعموا ومن عاداتهم العجيبة ما حكى ابن حوقل الموصلي التاجر وقد طاف بلادهم‏:‏ إن أكثر البربر يضيفون المارة ويكرمون الضيف ويطعمون الطعام ولا يمنعون أولادهم الذكور من طالب التبديل لو طلب هذا المعنى ممن هو أكبرهم قدراً وأكثرهم حمية وشجاعة لم يمتنع عليه‏.‏

وقد شاهدهم أبو عبد الله الشعبي على ذلك حتى بلغ بهم أشد مبلغ فما تركوه‏.‏

ومن العجب أنهم يرون ذلك كرماً والامتناع عنه لؤماً ونقصاً ونسأل الله السلامة‏!‏ وحكي أيضاً أن أحدهم إذا أحب امرأة وأراد التزوج بها ولم يكن كفؤاً لها عمد إلى بقرة حامل من بقر أبيها ويقطع من ذنبها شيئاً من الشعر ويهرب فإذا أخبر الراعي أهل المرأة بذلك خرجوا في طلبه فإن وجدوه قتلوه وان لم يظفروا به يمضي هو على وجهه فإن وجد أحداً قطع ذكره وأتى القوم به قبل أن تلد البقرة ظفر بالجارية وزوجوها منه ولا يمكنهم الامتناع البتة وإن ولدت البقرة ولم يأت بالذكر المقطوع بطل عمله ولم يمكنه الرجوع إليهم وإن رجع قتلوه وترى في تلك البلاد كثيراً من المجبوبين يكون جبهم بهذا السبب فإذا حصلوا في بلاد المغرب التمسوا القرآن والزهد‏.‏

 البيضاء

مدينة كبيرة بأرض فارس بناها العفاريت من الحجر الأبيض لسليمان عليه السلام فيما يقال‏.‏

وبها قهندز يرى من بعد بعيد لشدة بياضه‏.‏

وهي مدينة طيبة كثيرة الخيرات وافرة الغلات صحيحة الهواء عذبة الماء طيبة التربة لا تدخلها الحيات والعقارب ولا شيء من الحيوانات المؤذية‏.‏

من عجائبها ما ذكر أنه في رستاقها عنب كل حبة منها عشرة مثاقيل وتفاح دورته شبران‏.‏ينسب إليها الحسين بن منصور الحلاج صاحب الآيات والعجائب‏.‏

فمن المشهور أنه كان يركب الأسد ويتخذ الحية سوطاً وكان يأتي بفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ويمد يده إلى الهواء ويعيدها مملوءة دراهم احدية‏:‏ قل هو الله أحد مكتوب عليها‏.‏

ويخبر الناس بما في ضمائرهم وبما فعلوا‏.‏

وحكي أنه خرج يوماً من الحمام فلقيه بعض من ينكره صفعه في قفاه صفعة قوية فقال له‏:‏ يا هذا لم صفعتني قال‏:‏ الحق أمرني بذلك‏!‏ فقال‏:‏ بحق الحق أردفها بأخرى‏!‏ فلما رفع يده للصفع يبست‏!‏ فلما ظهر قوله أنا الحق أنكره الناس وتكلموا فيه وقالوا‏:‏ قل أنا على الحق‏!‏ فقال‏:‏ ما أقول إلا أنا الحق‏!‏ وسمع منه أشعار مثل قوله‏:‏ أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا ومثل قوله‏:‏ عجبت منك ومنّي أفنيتني بك عنّي أدنيتني منك حتّى ظننت أنّك أنّي فلما سمع أمثال هذه بعض الناس أساؤوا الظن فيه‏.‏

حكى أبو القاسم بن كج أن جمعاً من الصوفية ذهبوا إلى الحسين بن منصور وهو بتستر وطلبوا منه شيئاً فذهب بهم إلى بيت نار المجوس فقال الديراني‏:‏ ان الباب مغلق ومفتاحه عند الهربد‏!‏ فجهد الحسين فلم يجبه فنفض الحسين كمه نحو القفل فانفتح فدخلوا البيت فرأوا قنديلاً مشتعلاً لا ينطفيء ليلاً ولا نهاراً فقال‏:‏ انها من النار التي ألقي فيها الخليل عليه السلام‏.‏

نحن نتبرك بها وتحمل المجوس منها إلى جميع بلادهم‏.‏

فقال له‏:‏ من يقدر على إطفائها قال‏:‏ قرأنا في كتابنا أنه لا يقدر على إطفائها إلا عيسى بن مريم عليه السلام‏.‏

فأشار الحسين إليها بكمه فانطفت فقامت على الديراني القيامة وقال‏:‏ الله الله‏!‏ قد انطفت في هذه الساعة جميع نيران المجوس شرقاً وغرباً‏!‏ فقال له‏:‏ من يقدر على ردها فقال‏:‏ قرأنا في كتابنا أنه يقدر على ردها من يقدر على إطفائها‏!‏ فلم يزل يتضرع إلى الحسين ويبكي فقال له‏:‏ هل عندك شيء تدفعه إلى هذه المشايخ وأردها وكان عنده صندوق من دخل البيت من المجوس طرح فيه ديناراً ففتحه وسلم ما فيه إلى المشايخ وقال‏:‏ ما ها هنا غير هذا‏.‏

فأشار الحسين بكمه إليها فاشتعلت وقال‏:‏ دنيا تخادعني كأني لست أعرف حالها حظر المليك حرامها فأنا اجتنيت حلالها مدّت إلي يمينها فرددتها وشمالها ورأيتها محتاجةً فوهبت جملتها لها‏!‏ ومن ظريف ما نقل عنه أنه قال له بعض منكريه‏:‏ إن كنت صادقاً فيما تدعيه فامسخني قرداً ‏!‏ فقال‏:‏ لو هممت بذلك لكان نصف العمل مفروغاً عنه‏.‏

فلما تكلم الناس في حقه بقوله أنا الحق قال‏:‏ سقوني وقالوا‏:‏ لا تغنّ‏!‏ ولو سقوا جبال سراةٍ ما سقيت لّغنّت‏!‏ تمنّت سليمى أن أموت بحبّها وأسهل شيءٍ عندنا ما تمنّت‏!‏ وحكى أبو عبد الله محمد بن خفيف قال‏:‏ دخلت على الحسين بن منصور وهو في الحبس مقيداً‏.‏

فلما حضر وقت الصلاة رأيته نهض فتطايرت منه القيود وتوضأ وهو على طرف المحبس وفي صدر ذلك المحبس منديل‏.‏

وكان بينه وبين المنديل مسافة فوالله ما أدري أن المندير قدم إليه أو هو إلى المنديل‏!‏ فتعجبت من ذلك وهو يبكي بكاء فقلت له‏:‏ لم لا تخلص نفسك فقال‏:‏ ما أنا محبوس‏!‏ أين تريد يا ابن خفيف قلت‏:‏ نيسابور‏!‏ فقال‏:‏ غمض عينيك‏!‏ فغمضتهما‏.‏

ثم قال‏:‏ افتحهما‏.‏

ففتحت فإذا أنا بنيسابور في محلة أردتها‏.‏

فقلت‏:‏ ردني‏.‏

فردني وقال‏:‏ والله لو حلف العشّاق أنّهم موتى من الحبّ أو قتلى لما حنثوا ترى المحبّين صرعى في ديارهم كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا ثم قال‏:‏ يا ابن خفيف لا يكون الحزن إلا لفقد محبوب أو فوت مطلوب‏!‏ والحق واضح والهوى فاضح‏.‏

والخلق كلهم طلاب وطلبهم على قدر هممهم وهممهم على قدر أحوالهم وأحوالهم مطبوعة على علم الغيب وعلم الغيب غائب عنهم والخلق كلهم حيارى‏.‏

وأنشأ يقول‏:‏ أنين المريد لشوقٍ يزيد أنين المريض لفقد الطّبيب قد اشتدّ حال المريدين فيه لفقد الوصال وبعد الحبيب ثم قال‏:‏ يا ابن خفيف حججت إلى زيارة القديم فلم أجد لقوم موضعاً من كثرة الزائرين فوقفت وقوف البهيت فنظر إلي نظرة فإذا أنا متصل به ثم قال‏:‏ من عرفني ثم أعرض عني فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين‏.‏

وجعل يقول‏:‏ عذابه فيك عذبٌ وبعده منك قرب وأنت عندي كروحي بل أنت منها أحبّ وأنت للعين عينٌ وأنت للقلب قلب حتى من الحبّ إني لما تحبّ أحبّ وحكي أن حبسه كان في عهد المقتدر بالله وكان الوزير حامد بن العباس سيء الظن فيه فأحضر عند الوزير وقاضي القضاة أبي عمرو وقالوا له‏:‏ بلغنا أنك قلت‏:‏ من كان له مال يتصدق به على الفقراء خير من أن يحج به‏!‏ فقال الحسين‏:‏ نعم‏!‏ أنا قلت ذلك‏!‏ فقالوا له‏:‏ من أين قلت هذا فقال‏:‏ من الكتاب الفلاني‏!‏ فقال القاضي‏:‏ كذبت يا زنديق‏!‏ ذلك الكتاب سمعناه فما وجدنا فيه هذا‏!‏ فقال الوزير للقاضي‏:‏ اكتب انه زنديق‏!‏ فأخذ خط القاضي وبعث إلى الخليفة فأمر الخليفة بصلبه ولما أخرج استدعى بعض الحجاب وقال‏:‏ إني إذا أحرقت يأخذ ماء دجلة في الزيادة حتى تكاد تغرب بغداد فإذا رأيتم ذلك خذوا شيئاً من رمادي واطرحوه في الماء ليسكن‏!‏ وكان ينشد هذين البيتين‏:‏ اقتلوني يا ثقاتي إنّ في موتي حياتي ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي والذي حيّ قديمٌ غير مفقود الصّفات وأنا منه رضيعٌ في حجور المرضعات وحكي أن بعض من كان ينكره لما صلب وقف بإزائه يقول‏:‏ الحمد لله الذي جعلك نكالاً للعالمين وعبرة للناظرين‏!‏ فإذا هو بالحسين ورآه واضعاً يديه على منكبيه يقول‏:‏ ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم‏!‏ فلما صلب وأحرق أخذ الماء في الزيادة حتى كادت تغرق بغداد‏!‏ فقال الخليفة‏:‏ هل سمعتم من الحلاج فيه شيئاً قال الحاجب‏:‏ نعم يا أمير المؤمنين إنه قال كذا وكذا‏.‏

فقال‏:‏ بادروا إلى ما قال‏!‏ فطرحوا رماده في الماء فصار رماده على وجه الماء على شكل الله مكتوباً وسكن الماء‏.‏

وكان ذلك في سنة تسع وثلاثمائة والله الموفق‏.‏